الجاحظ

130

البخلاء

التلطيخ والتغمير « 1 » . والجردقة الغمرة والرقاقة المتلطخة ، لا أقدر أن أنظر إليها ، وأستحيي أيضا من إعادتها . فيذهب ذلك الفضل باطلا ، واللَّه لا يحب الباطل . قلت : فإن ناسا يأمرون بمسحه ، ويجعلون الثريدة منه . فلو أخذت بزيّهم وسلكت سبيلهم ، أتى ذلك على ما تريد ونريد . قال : أفلست أعلم كيف الثريدة ، ومن أي شيء هي ؟ وكيف أمنع نفسي التوهّم وأحول بينها وبين التذكَّر ؟ ولعل القوم أن يعرفوا ذلك على طول الأيام ، فيكون هذا قبيحا . قلت : فتأمر به للعيال ؛ فيقوم الحواري « 2 » المتلطخ مقام الخشكار « 3 » النظيف . وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما تعلق به من الدسم . قال : عيالي يرحمك اللَّه عيالان : واحد أعظمه عن هذا وأرفعه عنه ، وآخر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواريّ . قلت : فاجعل إذا جميع خبزك الخشكار ؛ فإن فضل ما بينه وبين الحواريّ في الحسن والطيب ، لا يقوم بفضل ما بين الحمد والذم . قال : فههنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها ، وهو أنا نحضر هذه الزيادة من الخبز على طبق ، ويكون قريبا حيث تناله اليد ، فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى أن يدعو به ، ويكون قربه من يده كثرة على مائدته . قلت : فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله . فأطعني واخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت . واعلم أن هذه المقايسة وطول هذه المذاكرة ، أضر علينا مما نهيتك عنه وأردتك على خلافه .

--> « 1 » التغمير : غمس الرغيف بالسمن والدهن . « 2 » الحواريّ : الدقيق الأبيض . « 3 » الخشكار : الدقيق الذي لم يغربل .